المحتوى الرئيسى

رُميساء رمضان تكتب محاولتي الطفولية الأولى لتغيير العالم


كنا نجلس أنا وأبي وأمي وإخوتي حول طاولة الطعام. ترتجف أطرافي، أحاول أن لا تلتقي عيناي بعيني أبي أو أمي، أعرف ما سيحدث لو تلاقت أعيننا؛ لن أتحكم في سيل الدموع.. يقف الطعام في حلقي، أحاول أن أبدو طبيعية وأشارك في الحديث.
«كيف كان اليوم؟» يقول أبي.. تزداد رجفتي .. تقع ملعقتي أرضًا.. فأختفي تحت الطاولة كي أحضرها.. أحرر دمعتين من محبسهما سريعًا.. أمسح وجهي وأعود.. «اغسليها أولاً» تقول أمي مبتسمة.. أهرول إلى المطبخ وأقول في نفسي: شكراً أمي.. فرصة جديدة لتحرير أكبر قدر من الدموع.... فجأةً تدقق أمي النظر في وجهي وأنا لا زلت أتحاشى النظر إليها: «أين قلادتك»؟!

الخوف
في صغرنا كنا نلعب أنا وإخوتي لعبة «سوسو».. أنا أمٌّ وأختي الكبيرة أمٌّ أيضاً وإخوتنا الأصغر هم الأبناء، كنت دائماً أختار «محمد» ليصبح ابني، كان طفلاً ودوداً جميل الوجه وكنت أحبه جداً. نبدأ في تبادل الزيارات أنا وأختي والأبناء الوهميين. كنا نلعب هذه اللعبة كثيراً، وبرغم صغر سني وقتها إلا أنني عشت فعلاً حالة أن هذا الطفل هو ابني، وأصبحت أعامله معظم الأوقات على هذا الأساس.
كانت صدمة كبيرة حين رأيت طفلاً صغيراً يُضرب بالرصاص بينما يحاول أبوه حمايته، شئٌ ما حدث في نفسي.. ربما هو ذلك الشئ الذي يحدث في العمر مرة واحدة فيحرك القلب من موضعه ثم لا يعود أبداً حيث كان. كان هو تلك «الرصاصة». كنت أرى فيه وجه أخي.
حين استشهد محمد الدرة .. ظلت نظرات الخوف في عينيه لا تفارقني. خوفه تسرب سريعاً إلى قلبي، وكرهت ذاك الشعور. بتفكيرٍ طفولي ننظم أنا وأصدقائي مظاهرة صغيرة أمام المدرسة.. نحرر لافتات وصحفا حائطية ومجلات ثقافية ونوزعها على الطلبة كي يعرف الجميع ما حدث. كان في نفسي شعور أن ذلك ليس كافياً.
قلادتي
كانت نظرات الشك تحيط بنا أنا وصديقتي أمام الجواهرجي الذي أعطيناه سِواراً وخاتمين وقِلادة لبيعهم.. سألنا: «أهلكم عارفين انكم هتبيعوا الحاجات دي»؟
«طبعاً طبعاً».. بحماس شديد أجبنا.
كانت تفاصيل الخطة واضحة لي ولها. كل منّا لديه جواز سفره الخاص، ونحتاج بعض الأموال التي يمكننا الحصول عليها من بيع قطع ذهبية نملكها .. قِلادتي التي تزين رقبتي وخاتمي وسِوار صديقتي وخاتمها.. هكذا نغطي تكاليف تذاكر الطيران ومصاريف الرحلة الأخرى.
سألتني أمي: أين القلادة؟
تلعثمتْ .. فكررت السؤال.. فانفجرت باكية: «قمت ببيعها».
وسط علامات الذهول على وجه أبي وأمي قمت من مكاني، دُرت حول الطاولة ورميت نفسي في حضن أمي وبدأتُ بكاءً هستيرياً.. ثم حكيت الحكاية كاملة. أخبرتهم أنني قررت أن أسافر إلى فلسطين لأحارب معهم. أخبرتهم أني أحب محمد ولا أريد أن أراه خائفاً مثل الدرة. لا أعرف ما علاقة محمد أخي بالدرة بفلسطين بالسفر إلى فلسطين، إلا أنها كانت خلطة غريبة في مشاعر طفلة ترتعب من مجرد نظرة خوف في عيني طفل .. طفلة تعرف بالفطرة أن «الخوف» أبشع ما يمكن أن يتواجد في هذا العالم.. فقررت أن تمنع حدوثه بطريقتها العفوية، والبريئة.
******
أن تقف على قدميك
«شايف نفسك فين بعد عشر سنين؟» السؤال الذي ملّ جيلنا سماعه. في الماضي كانت الإجابة تستغرق ساعات تشرح فيها لسائلك ما تريده من الدنيا..الكثير من الأحلام، وفائض من الأماني والأهداف. في الماضي كنا نملك نفوساً مفعمة بالحياة.. تنسج الأحلام وتحبها وتعمل لها.. نحيا بقدرٍ كبير من الثقة في تلك الأحلام ويقين في قدرتنا على التحقيق.
حين يكرر أحدهم عليك السؤال الآن توشك أن تنفجر ضاحكاً. في الغالب لأنك لم تعد ترَ نفسك أصلاً، لا ترى مكان خطوتك القادمة ولا الحالية. لم تعد تعرف من الدنيا سوى الدم والبؤس، وأصبحت لك ذاكرة لا تحمل سوى الأحلام الباهتة والأماني الضائعة، وقدراً كبيراً من الانهزام واللا أمل.
صديقي المتفائل دائماً يخبرني أن شعار المرحلة يجب أن يكون: «يكفي أن تظل واقفاً على قدميك، وأن تزرع فسيلة في يديك قبل قيام الساعة»، فأسأله: هل فعلاً يكفي أن يكون هدفنا أن نستطيع الوقوف على أقدامنا؟!
ألسنا نحاول الوقوف على أقدامنا لأجل شئٌ نريد تحقيقه؟ نتحمل بؤس هذه الحياة لأجل حلمٍ يقلق منامنا؟ وأمانٍ تغازل يقظتنا؟ وأحبةٍ نسعى لإسعادهم؟ ومكسورين نحاول جبرهم؟! أليست الأماني دافعاً كافياً أن تنهض من فراشك بحماس في كل يومٍ جديد؟!
فرناندو
أسباني أربعيني ذو وجهٍ ودود، وابتسامةٍ دائمة، بجواره زوجته، ثلاثينيةٌ شقراء بشعرٍ مجعدٍ وبشرةٍ صافية وتبادر بالتعرّف علىّ. في أحد المؤتمرات جلسنا حول طاولةِ طعامٍ واحدة نتجاذبُ أطرافَ الحديث.. ينتهي الوقت بتبادل الأرقام والصورة المجمعة التي يبتسم فيها الجميع. أعرف من أحد أصدقائي على الطاولة أن فرناندو مسلم بينما زوجته مسيحية.. لا مشكلة في هذه المعلومة لكن ما استحوذ على تفكيري طوال الجلسة التالية كان أن فرناندو «أسلم».. فرناندو لم يكن مسلماً قبل ذلك. يتبادر إلى ذهني السؤال التلقائي: «كيف أسلم؟».
سألت صديقًا جمعه بفرناندو عمل طويل.. يحكي لي أن قصة إسلامه«غريبة» و«بسيطة» للغاية. فقد سافر للعمل في شركة بدولة خليجية. وهناك رأى طريقة المسلمين في «الوضوء» فلاحظ أن تلك الحركات يقوم بها أيضاً هو وأسرته منذ أن كان صغيراً فأثار ذلك دهشته وقرر البحث وراءه. يسأل عائلته، أمَّه وجدَّته، ثم يصل في النهاية إلى حقيقته المدهشة: هذه الحركات توارثوها جيلاً بعد جيل منذ أن كان المسلمون أجداده في الأندلس.. اندثر كل شئ وبقيت طقوس يقوم بها الناس، كتقليدٍ وليس كدين. القصة طويلة وبها كمٌّ مدهشٌ من التفاصيل إلا أنّ «فرناندو» قرر بعد طويل بحث أن «يُسْلم» ولم يَسْلم عقلي من تأمّل طويل لهذه القصة.
****
الفسيلة
برغم تفكيري الساذج وأنا أخطط للذهاب إلى فلسطين، إلا أنني أعرف أنه كان يحمل في داخله قدراً كبيراً من البراءة.. تسميه أمي «براءة السعي»؛ السعي في طريق يؤدي إلى أن يكون هذا العالم مكانا أفضل نعيش فيه. هو ذلك الشعور الذي يتكرر مع كل مشروع جديد أو فعل خير أحاول أن أناله أو إسعاد مكسور أو إغاثة ملهوف أو البحث بشغف وراء أسئلةٍ لا تزالُ عالقةً بلا إجابات.

حين نشعر بتمام العجز وأن الأمور غدت أكبر من استيعابنا، والفساد أعظم من أن نواجهه، والمؤامرات الموجودة في الدنيا لا طاقة لنا بها، وأن بعض من يدّعون العمل للرسالة والغاية وسعادة الأمة هم مجرد مستخدمين لها لأغراض أخرى، هل يمكن أن تبقى لنا أشياء تربط على القلب؟.. أشياء تساعدنا أن نظل واقفين على أقدامنا؟!
الآن أفهم معنى أن نقف على قدمينا: هو أن نحافظ في نفوسنا على البراءة والفطرة التي حركت طفلة لتبيع قلادتها ظناً منها أنها تنقذ العالم من الخوف.
أن تقف على أقدامك هو أن تورث أطفالك كلَّ ما في «نفسك» من الخير حتى ولو كان يسيراً، الخير الذي توارثته أجيال وبه فقط «أسلم فرناندو» في عائلة ومجتمع ودولة لا تعرف شيئاً عن الإسلام.
هو أن نحلم حلماً طيباً لأطفالٍ يأتون بعدنا.. يرثون منّا القدرة على التأمل والرفض والمواجهة والملاحظة، أن نحفظ لهم الحق في الحياة والحلم والحبّ بدلاً من أن نقضي على أحلامهم بهذا القدر من اليأس الآن.

أن نقف على قدمينا يعني أن تظلّ قلوبُنا حيّة، تتفاعل مع كلِّ قطرة دمٍ جديدة كأوَّل قطرة، مع كلِّ ألمٍ قريبٍ على أنَّه همُّنا الأولُ في الدنيا، مع كلِّ حاجة محتاج على أنَّها حاجتنا. أن تظل أعيننا ترى الصواب وتسعى إليه وتميِّزُ الخطأ وتنفر منه وتلعن الواقع ما دام على حاله لا يرضينا.
براءة السعي هي أن نتلمَّس في السماء حلماً جديداً حتى ولو كان المداد الأسود يغطيها.. ثمَّة أشياء نفعلها، نقولها، نكتبها، ستزيل هذا السواد. هي أن تشعر في نفسك بتلك اللذَّة، بذلك اليقين، بتلك الفرحة. براءة وفرحة السعي هي جلُّ ما نفتقده الآن .. أن نفعل الأشياء الصغيرة ونظلَّ على قناعة أننا بها نحقق أحلاماً أكبر حتى ولو لم تتحقق في عمرنا، ونسعد بها أجيالاً تلينا حتى ولو لم نرها، وأننا ببسمةٍ في وجوه الخلق قد نجلب الخير لهذا الكون.
ربما تلك البراءة هي فقط أن نساعد من نحبهم ألا يحملوا همَّ الوقوف على قدميهم من جديد مثلنا. ربما فسيلة نزرعها الآن تضمن لهم مستقبلاً يولدون فيه.. واقفين.
الآن تحديداً تغيرت.. أصبحت أكثرَ تصالحاً مع أنه لا داعي أن يختفي الخوفُ أصلاً من العالم. الخوفُ موجودٌ والظلمُ قائم. ربما الأكثرُ أهميَّة أن يختفي الخوفُ من قلوبنا نحن؛ الخوف من أننا لا نضيف شيئاً لهذا الكون. الأكثرُ أهميَّة أن نستعيد براءة السعي في نفوسنا، تلك النشوة التي تغمر القلب بعد كلِّ عملٍ بسيط.. أن نستعيد تلك الأحلام. رُبَّما دورُنا أن نكون فقط «حلقة الوصل» في أن تصل معاني الخير إلى من بعدنا.
الآن أصبحت أكثرَ تصالحاً مع أن أفعل الخير لذاته، أن أتحلَّى بالأخلاق الطيبة لذاتها. دون فائدةٍ أنتظرها، أو شكرٍ أو استحسان. أصبحتُ أرى بوضوح أنَّ التمسك بتلك الأشياء يساعدنا أن نستمر في الحياة، ويعطينا الرغبة في الغد، ويجعلنا أكثرَ سعادةً وتصالحاً مع أنفسنا ومع الله ومع جنون العالم الذي يحيط بنا.
الآن أفهم أن كل ما علينا هو أن نبحث عن تلك «الفسيلة» الخالية من الشعارات البرَّاقة، الفسيلة الطيبة التي تُنبت زرعاً طيباً الآن أو غداً، الفسيلة التي نشعر معها ببراءة السعي، فنسارع بغرسها حتى ولو قامت القيامة ولم يسعفنا الوقت كي نكفيها قليلاً من الماء يرويها.

سعر الحديد سعر الاسمنت سعر الدولار الان سعر الذهب

المصدر : huffpostarabi

اخبار متعلقة

اضف تعليق