المحتوى الرئيسى

محمد عبدالعظيم يكتب دقائق زوجتي الخمس (قصة قصيرة)


أن تكون كاتباً فهذا يعطيك قدراً من الشهرة لا بأس به، وتلك الشهرة التي تختلف باختلاف حجم كتاباتك وما تحققه من متابعة وانتشار.
كتاباتي جعلتني أملك قدراً من الشهرة ليس عظيماً، ولكنه جيد على أي حال، نعم أنا لست بشهرة الشرقاوي المنياوي، لاعب كرة القدم، ولست بطبيعة الحال بشهرة الممثلة زيزي أبو العز، ولكن أمتلك قدراً من الشهرة بين القراء وأشباه القراء.
وفي مرة من المرات أثناء تجوالي مع زوجتي في أحد المراكز التجارية الضخمة في الإسكندرية، تلك المراكز البغيضة التي لا أعرف من أين جاءت تلك الفكرة الاستهلاكية المملة، فأنا رجل خمسيني أحب الطريقة التقليدية، أفضّل التجوال في شارع سعد زغلول وشارع فؤاد والنظر إلى المحلات هناك، نعم أعلم أنني رجل (موضة قديمة).
أثناء ذلك التجوال مع زوجتي، تلك المرأة التي لا أعرف من أين تأتي بكل تلك الطاقة لتشاهد كل المحلات وتقيس وتجرب في ساعات طويلة، وبعد كل هذا قد لا نشتري حتى جورب؛ لنعود إلى البيت بدون حتى خُفَّي حنين، وإن اشترينا شيئاً ففي الغالب سوف نعود في اليوم التالي إما لإرجاعه أو تبديله، حقاً لا أعرف كيف تتحمل بائعات المحال هذا القدر من المعاناة، ولكن أتذكر أنهن نساء في الأخير وتركيب عقولهن واحد، ولهذا لا أتعجب أنهن يطلبن سيدات للعمل وتحديداً آنسات، حتى لا تملك زوجاً وأطفالاً، فيكفيها ما تقابله من الزبائن.
دائماً زيارة المركز التجاري (المول) تذكرني بالأسطورة الإغريقية (باندورا)، تلك الأسطورة التي تتحدث عن ذلك الكائن الذي أمر زيوس بخلقه ليعاقب به البشر على ما قدمه له بروميثيوس، فأمر هيفاستوس بصناعة جسد ناري جذاب، وأمر أثينا بإعطائها قوة التحمل والقدرة على الإبداع، وأعطتها أفروديت السحر والجاذبية، وأعطاها هيرميس عقلاً صغيراً وسطحية التفكير والإلحاح؛ ليكون ذلك الكائن عقاباً للبشر إلى ما لا نهاية.. ذلك الكائن هو المرأة.
أمام أحد المحلات أقف تلك الخمس الدقائق التي من المفترض أن تدخل زوجتي لتشاهد شيئاً سريعاً وتعود على حدّ قولها، وبعد مرور ما يقرب من ربع ساعة وطبعاً لم تنتهِ دقائق زوجتي الخمس، قررت أن أبحث عن مكان لأجلس فيه، وطبعاً لم أجد، فهناك المقاهي لتجلس عليها، أما المقاعد العمومية غير مسموح بها في تصميم تلك المولات، تشعر أن الشيطان يقف احتراماً لذلك الرجل الذي صمم ذلك المكان، فحتى ترتاح قليلاً لا بد أن تجلس على مقهى وتطلب وتدفع، حتى تصف سيارتك لا بد أن تدفع، لا ينقص إلا أن يأخذوا على شهيقي وزفيري نقوداً.
لم يكن أمامي إلا أن أجلس على أقرب مقهى يقابلني فقد أوجعتني قدماي من كثرة السير وانتظار عشرات الخمس دقائق!! لا أذكر اسم المقهى صراحة فقد كان بالإنكليزية، وأنا من رواد المدارس الحكومية، أو كما نقول عليها من رواد التعليم المجاني، وإنكليزيتي كمستوى التعليم في بلادي، ولا أعتقد أن الأمر يحتاج إلى توضيح.
جلست في ذلك المقهى على ذلك المقعد القائم بلا ظهر أو مساند، لقد كان غير مريح بالمرة، وذلك بالتأكيد حتى أجلس لأقصر فترة ممكنة، وطلبت فنجان قهوة غالي الثمن سيئ المذاق، لا ينقصهم إلا أن يضعوا ورقة بجانب المشروب يكتبون عليها (اشرب ما طلبت وادفع واذهب إلى الجحيم)، في تلك اللحظة تذكرت تلك البورصة التي أجلس عليها في بحري، والبورصة هي مقهى بلدي بدون تلفاز، تذكرتها وتذكرت صاحبها (عم علاء)؛ حيث أجلس على تلك البورصة وأشرب (براد الشاي الزردة)، وأسحب أنفاس أرجيلتي، لم يقُل لي عم علاء يوماً اذهب أو قد أطلت الجلوس، وكل هذا وأنا لا أدفع نصف ما أدفعه في ذلك المقهى.. كم أنت رائع يا عم علاء!
أجلس في الكافي شوب أنظر إلى الذاهب والقادم في انتظار الخمس دقائق التي لا تنتهي وأشرب ذلك المهل، وحتى تكتمل معاناتي لم يكونوا يقدمون الأرجيلة على ذلك المقهى، ولا أعرف حقاً كيف تكون مقهى بلا أرجيلة.. اللهم أجرنا في مصيبتنا.
وكعادة أي كاتب فلا بد أن يمتلك ذلك القدر من الفضول والخيال، فلا بد أن أنظر حولي وأحاول استقراء الموجودين وتخيل شخصياتهم وحياتهم وأعمل على إضفاء توصيفات مناسبة، وطبعاً ذلك طبقاً لرؤيتي التي قد تصيب وقد لا تخطئ.
كنت أجلس ويحيط بي عدة طاولات، على الطاولة الأولى يجلس شاب وفتاة في مقتبل العشرينات وبنظرة خاطفة على أيديهما سوف تعرف أنهما مخطوبان، ومن حركة يد ذلك البائس وتحريكه لخاتم الخطوبة كثيراً فستعرف أنهما حديثا الخطبة، وأنه لم يعتَد ارتداء الخاتم بعد، وأعذرني على نعتي لذلك الشاب بالبائس، فإقدامه على تلك الخطوة وهو في مقتبل العشرينات هو قمة البؤس من وجهة نظري.
أنظر إلى ضحكات ذلك الثنائي ونظراتهما العاطفية تجاه بعضهما البعض، فأجد نفسي أتبسم، ولكن ليس ابتسام الفرح أو الغبطة من ذلك المشهد الرومانسي الظريف، بل سخرية من ذلك الأحمق الذي لن يطول به الأمر ويصبح جالساً وحيداً على مقعد بدون ظهر أو مساند يشرب قهوة سيئة الطعم غالية الثمن وينتظر خمس دقائق لا تنتهي.. فلتكمل نصف دينك يا عزيزي ولتنتظر تلك الوديعة الجميلة التي أمامك لتخرجك عن دينك بأكمله.
وعلى يساري يجلس رجل أربعيني ويشرب كوباً من الشاي ويدخن سيجارته، وبالنظر إلى التجهم على وجهه وعدد أكياس المشتريات بجانبه وتلك الحقيبة النسائية أمامه، فهو على الأكيد زميل في أخوية منتظري الخمس دقائق.
نظرت له وبمجرد التقاء أعيننا إذ به يهز رأسه تحية لي، فأهز رأسي أنا الآخر رداً للتحية، لو كنا في مقهى بلدي لأضاف إلى تلك التحية (عزومة مراكبية) وقال لي تفضل.
وهناك مجموعة من الفتيات مجتمعات معاً، لم يتوقفن منذ جلوسهن عن الضحك والتقاط الصور، كان منظهرن لافتاً للانتباه، حتى إن صديقنا ذلك البائس حديث الخطبة الجالس مع خطيبته كان يختلس النظرات ويطلع إليهن من لحظة إلى أخرى، وحتى لا نكون مجحفين فذلك الشاب محترف، حقاً محترف فهو يجيد اختلاس النظرات بدقة وسرعة دون أن تلاحظه خطيبته، أعتقد أنه سوف يكون زوجاً مثالياً وسوف تكون خطيبته زوجة سعيدة مغفلة.
أما ذلك الأربعيني فأعتقد أن ما يحمله من ضيق وبؤس جعله لا يكترث لتلك الفتيات ولا ينظر إليهن، أو أنه يخشى أن تأتي زوجته في أي لحظة وهو لا يمتلك مهارات صديقنا المحترف حديث الخطبة ولهذا لم يتطلع إليهن.
وطبعاً أنا لست قديساً أو مثالياً، ولكن ابنتي في عمر تلك الفتيات، كما أن كلمة (عمو) التي أسمعها ممن هم في تلك السن العشريني جعلتني أعي وضعي جيداً.
أثناء تشخيصي للموجودين، اقترب مني شاب وقد أخرج هاتفه وتحدث عن إعجابه برواياتي وأثنى على كتاباتي وطلب التقاط صورة بهاتفه، ابتسمت ووافقت والتقط ذلك المعجب الصورة ثم استأذن للذهاب، فابتسمت ثانياً توديعاً له ثم انصرف.
أثناء انصرافه وأنا أحاول إظهار نفسي الشخص المهم غير المكترث بذلك المعجب، سأله أحد العاملين بالمقهى عن شخصيتي فأجابه وعرفه بهويتي، كل هذا وأنا أنظر بطرف عيني حتى لا أبدو مهتماً، وطبعاً كان لا بد للفتيات أن يعرفن مَن أكون قبل أن يأكلهن الفضول، فنادين على العامل ليسألن عن شخصيتي، وبعد بحث سريع عن شخصيتي على هواتفهن النقالة، توجهن جميعاً إليَّ حيث أجلس ليطلبن أن يلتقطن صورة معي، وأنا على ثقة أن إحداهن لم تقرأ لي كلمة واحدة، ولكنها صورة لا بأس بها على الفيسبوك أو الإنستغرام يحصلن بها على بعض الإعجابات وتعطي انطباعاً ثقافياً ظريفاً.
بعد أن ذهبت الفتيات نظر إليَّ الأربعيني بنظرة ابتسامة وهز رأسه كناية عن حسد ساخر وكأن عينه تقول: (مَن أعطانا يعطيك).
ثم ظهرت زوجتي أخيراً ولا أخفيك قد أصبحت في قمة سعادتي لرؤيتها، وإن كانت لا تحمل أي صنف طعام يجعلني سعيداً برؤيتها كل تلك السعادة، فمجرد رؤيتها في اللحظات العادية لا تدخل إلى قلبي كل تلك السعادة، ولكن تلك اللحظة ليست معتادة، فسوف نرحل أخيراً، فكانت سعادتي كسعادة كادموند دونتيس حين استطاع مغادرة سجن شاتوديف في رواية ألكسندر توماس (الكونت دي مونت كريستو) فأخيراً قد انتهت الخمس دقائق.
حين هممت بالوقوف أشارت لي زوجتي بالانتظار، وإذا هي تخلع حقيبتها من على كتفها وتضعها على الطاولة أمامي وتخبرني (عشر دقائق بالضبط أقوم بقياس عدة أشياء أعجبتني ولن أتأخر)، ثم ذهبت حتى بدون أن تسمع مني رداً، لقد كانت تعلو وجهي علامات الذهول والتعجب كالتي ارتسمت على وجهي وأنا أشاهد فيلم (إسكندرية ليه) لأول مرة، ولم أفهم شيئاً على الإطلاق، ثم نظرت إلى الأربعيني ووجدته يضحك وهو يهز رأسه يميناً ويساراً ونظر إليَّ وأشار إلى حقيبة زوجته، وعيناه تقولان (كلنا في الهواء سواء)، ثم ابتسم وقد بدأت علامات الذهول من على وجهي تختفي لتحل محلها علامات الضيق، وقال لي: (ولا دائم إلا وجهه).

سعر الحديد سعر الاسمنت سعر الدولار الان سعر الذهب

المصدر : huffpostarabi

اخبار متعلقة

اضف تعليق